القاضي عبد الجبار الهمذاني

28

تثبيت دلائل النبوة

واليهود والنصارى وهم كثير ونزول بالمدينة وحولها في آطامهم وحصونهم محدقون بها كالإكليل ، وقد غدروا به ، وأرسلت قريش إليهم في ذلك ، ودست غير واحد ، وكان من عامر بن الطفيل وأزيد في الأحوال التي كان يكون فيها وحده فيصرفهم اللّه عنه بألوان الصرف ، كما صرف أبا جهل وعقبة بن أبي معيط والذين كانوا بمكة ، كما هو مذكور . وكم دسوا له السم في الطعام فصرفه اللّه عنه ، وقد راموه منه في طول حياته ، وقد كان معهم وهو بالمدينة في التبذل والتفرد والتطرح أكثر زمانه ، على مثل حاله وهو بمكة . وانما كان يكون في جماعة في أسفاره وفي حروبه ، فأما بيوته وحجرات نسائه فمن جريد النخل ، وقد علم أهل العقل والتحصيل الفتك بجبابرة الملوك في حصونهم وقصورهم وهم وراء الأبواب الحديد ، وقد تحرزوا بصنائعهم المشاركين لهم في نعمهم بعبيدهم ، كصنيع شيرويه بكسرى ابرويز « 1 » ، وقبله من ملوك فارس من كانت هذه سبيله . وكما جرى على المتوكل من المنتصر ، ثم على ولده ، إلى ما جرى من الفتك بمحمد بن المعتضد / المسمى بالقاهر باللّه ، إلى المتقي ، وإلى المستكفي ، وإلى ما جرى بالإحساء على ذكيره الاصفهاني من جنوده وأعوانه سنيّ نيف وخمسين وثلاثمائة للهجرة في جوف داره وأحصن قصوره ، وحوله وفي حجرته ومعه ممن له نوبة في حراسته وحفظه من الرجال المتسلحين أكثر من الفين ، فقتل وحده من بينهم ، ورفع رأسه .

--> ( 1 ) يقصد الإشارة إلى ما صنعه شيرويه في سبيل الحصول على الملك ، إذ شارك في قتل أبيه كسرى أبرويز وكان من أعظم ملوك فارس ، وقد عاصر الرسول كليهما وكانت هجرته عليه الصلاة والسلام أيام كسرى ابرويز . انظر الطبري . ثم ما كان يفعله الخلفاء العباسيون في سبيل الوصول إلى الحكم من قتل آبائهم أو اخوانهم أو أقاربهم . وكذلك ما فعله خادم ذكيره ( ذكرويه ) الاصفهاني القرمطي من قتله .